السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

73

مختصر الميزان في تفسير القرآن

ينبغي لهم ومن شأنهم أن يخافوا فإن فرعون كان يومئذ عاليا في الأرض مسلطا عليهم وأنه كان من المسرفين لا يعدل فيما يحكم ويجاوز الحدّ في الظلم والتعذيب . ولو صحّ أن يراد بقومه كل من بعث إليهم موسى وبلّغهم الرسالة وهم القبط وبنو إسرائيل استقام الكلام من طريق آخر من غير حاجة إلى ما تقدم من تكلّفاتهم . قوله تعالى : وَقالَ مُوسى يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ لما كان الايمان باللّه بما يفيده للمؤمن من العلم بمقام ربه ولو إجمالا وأنه سبب فوق الأسباب اليه ينتهي كل سبب ، وهو المدبّر لكل أمر ، يدعوه إلى تسليم الأمر اليه والتجنب عن الاعتماد بظاهر ما يمكنه التسبب به من الأسباب فإنه من الجهل ، ولازم ذلك إرجاع الأمر اليه والتوكل عليه ، وقد أمرهم في الآية بالتوكل على اللّه ، علّقه أولا على الشرط الذي هو الإيمان ثم تمم الكلام بالشرط الذي هو الإسلام . فالكلام في تقدير : إن كنتم آمنتم باللّه ومسلّمين له فتوكلوا عليه . وقد فرّق بين الشرطين ولعله لم يجمع بينهما فيقول « إن كنتم آمنتم وأسلمتم فتوكلوا » لاختلاف الشرطين بحسب الحال فقد كان الإيمان واقعا محرزا منهم ، وأما الاسلام فهو من كمال الإيمان ، وليس من الواجب الضروري ان يكون كل مؤمن مسلما بل من الأولى الأحرى أن يكمل إيمانه بالإسلام . فالتفريق بين الشرطين للإشعار بكون أحدهما واجبا واقعا منهم ، والآخر مما ينبغي لهم أن يتحققوا به فالمعنى : يا قوم إن كنتم آمنتم باللّه - وقد آمنتم - وكنتم مسلمين له - وينبغي أن تكونوا كذلك - فتوكلوا على اللّه ؛ ففي الكلام من لطيف الصنعة ما لا يخفى . قوله تعالى : فَقالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ إلى آخر الآيتين ، إنما توكلوا على اللّه لينجيهم من فرعون وملئه فدعاؤهم بما دعوا به من قولهم : « رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً » الخ ؛ سؤال منهم نتيجة توكلهم وهو ان ينزع اللّه منهم لباس الضعف والذلّة ، وينجيهم من القوم الكافرين .